ابن حمدون

155

التذكرة الحمدونية

ينظر إلى رفيقي في الجنة ، فلينظر إلى هذا الشّيخ ، فقام المسلمون فجعلوا يقبّلون ما بين عينيه ويقولون : طوباك ! طوباك ! نلت درجات العلى ، ومرافقة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم . فمرض رسول اللَّه من يومه ، فكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس . وكان صلَّى اللَّه عليه وسلم ولد يوم الاثنين ، فلما كان يوم الأحد ثقل في مرضه ، فأذّن بلال بالأذان ، ثم وقف بالباب فنادى : السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه ، الصلاة رحمك اللَّه . فسمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم صوت بلال ، فقالت فاطمة : يا بلال إن رسول اللَّه مشغول بنفسه . فدخل بلال المسجد ، فلما أسفر الصبح قال : واللَّه لا أقيمها حتى أستأذن سيدي رسول اللَّه . فرجع وقام بالباب ونادى : السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه ، الصلاة رحمك اللَّه . فسمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم صوته فقال : ادخل يا بلال ، إنّ رسول اللَّه مشغول بنفسه ، مر أبا بكر يصلَّي بالناس ، فخرج ويده على أمّ رأسه ، وهو يقول : يا غوثاه ! يا للَّه وانقطاع رجائي وانقصام ظهري ! ليتني لم تلدني أمي ، وإذ ولدتني لم أشهد من رسول اللَّه هذا اليوم ، ثم قال : يا أبا بكر ، ألا إنّ رسول اللَّه يأمرك أن تصلَّي بالناس . فتقدّم أبو بكر للناس ، وكان رجلا رقيقا ، فلما نظر إلى خلوّ المكان من رسول اللَّه لم يتمالك أن خرّ مغشيّا عليه ، وصاح المسلمون بالبكاء . فسمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ضجيج الناس ، فقال : ما هذه الضجّة ؟ قالوا : ضجيج المسلمين لفقدك يا رسول [ اللَّه ] . فدعا عليّ بن أبي طالب والعباس فاتّكأ عليهما ، فخرج إلى المسجد ، فصلَّى بالناس ركعتين خفيفتين ، ثم أقبل بوجهه المليح عليهم ، فقال : معشر المسلمين ، عليكم باتّقاء اللَّه وحفظ طاعته من بعدي ، فإني مفارق الدنيا ؛ هذا أوّل يوم من الآخرة ، وآخر يوم من الدنيا . فلما كان في يوم الاثنين اشتدّ به الأمر ، وأوحى اللَّه تعالى إلى ملك الموت : أن اهبط إلى حبيبي وصفيّي محمد في أحسن صورة ، وارفق به في قبض روحه . فهبط ملك الموت فوقف بالباب شبه أعرابيّ ، ثم قال : السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف